عمر فروخ
654
تاريخ الأدب العربي
في هذا الأسمر ما لم يظهر من الذي تمنّى أن يكون هامة « 1 » . وصار يغار عليه من الألحاظ ولا يبرح متى كلّم أو نظر يغتاظ ، إلى أن وصلنا إلى وادي المخازن ، والسيل قد ضاقت « 2 » بطلائعه صدره ، وهو أبدا يزيد مدّه ولا يلمّ به جزره « 3 » . ولم يسع الوقت جواز الشيخ والغلام ، بل بادر بتجويزه « 4 » وقد أقبلت كتائب الظلام . فلمّا أن دخل الشيخ في ذلك الجانب ، بعد اللتيا والتي « 5 » من خوض ذلك العباب منع الوادي نفسه بمزاحمة المياه « 6 » . وبقي الشيخ في أعظم مصاب . وكنت ، يا أخي ، في من ظفر بالمجاز وحصلت له الحقيقة بعد المجاز « 7 » : فبات الشيخ في همّ وغمّ * ضجيع الفكر والحزن الطويل . وبتّ ضجيع أسمره أنادي * بحيّ على التواصل والوصول « 8 » . فلا تسأل - فديتك - عن مبيتي * هناك ؛ وسل صحابك عن مقيلي « 9 » . ثمّ إنّه لمّا وضح النهار وأصبح الشيخ كالمولّه لفقد الجوار « 10 » ، اكترى الشيخ من سبح به إلينا ، وأرسل اللّه منه نقمة علينا . وجملة الأمر : أنّا ظفرنا ليلة بربّ هواه ، وصفعنا نهاره جميع قفاه !
--> ( 1 ) أن يكون هامة : أن يموت ( ؟ ) . ( 2 ) كذا في الأصل . والصواب : ضاق بطلائعه ( أوائله ) صدره وادي المخازن مكان قرب القصر الكبير ( شمال شرقيّ الرباط وجنوب شرقيّ العرائش ) في المغرب . ( 3 ) الجزر : تراجع مياه البحر . والمدّ علوّ ماء البحر عند الشطّ . لا يلمّ به جزره : لا يحدث انخفاض في مائه . ( 4 ) الجواز : الانتقال عبر الماء من جانب إلى جانب . التجويز : جعل الآخرين يجوزون . ( 5 ) بعد مصاعب كثيرة . ( 6 ) العباب : الموج . منع الوادي ( النهر ) نفسه ( منع الناس من الجواز عبره ) . ( 7 ) الحقيقة : دلالة الكلمة على المعنى الذي وضع لها في القاموس ( الشمس : الجسم المشتعل الذي يضيء الأرض ) . والمجاز : دلالة الكلمة على غير المعنى الوضعي لها ( الشمس : المرأة الجميلة ) حصلت له الحقيقة بعد المجاز : ظفر بالمحبوب بعد أن كان يتمنّى الظفر به ( ؟ ) . ( 8 ) التواصل والوصل : نيل الرغبة من المحبوب . ( 9 ) لا تسأل عن مبيتي ( نومي ) في تلك الليلة ( لأنّني لم أنم فيها ) اسأل عن مقيلي : النوم في النهار ( لأنّني كنت في الليل ساهرا مع المحبوب ) . ( 10 ) الملولّه : الذي اشتدّ حزنه حتّى كاد عقله يذهب . لفقد الجوار ( جوار محبوبه ) .